الشاهد المشهود

كتاب: الشاهد المشهود
المؤلف: وليد سيف
الطبعة: الأولى ٢٠١٦
الدار: الأهلية للنشر والتوزيع
عدد الصفحات: ٥٠٩

في مقدمة الكتاب يناقش المؤلف فكرة السيّر الذاتية من حيث كونها متعلقة بالأحداث الكبيرة والحياة الاستثنائية فقط أم لا. ويعلي من قيمة النص في كتابة السير( السير العظيمة المدونة لم تخلقها الوقائع الفعلية في حياة الإنسان بقدر ماخلقتها الكتابة نفسها وقيمة السيرة تتمثل في قيمة النص نفسه لافي الواقع الخارجي الذي يفترض أن النص يسعى إلى تسجيله). ويذكر حول ماإذا كانت رواية كاتب السيرة تعكس الواقع تماماً ( لايمكن أن تكون روايته مرآة أمينة لذلك الماضي مهما يجتهد في الدقة والصدقية إذ إن محتوى الوعي في زمن الكتابة يتوسط بيننا وبين رؤية الماضي وروايته).
يتكون الكتاب من مجموعة من المحطات في كلٍ منها يروي المؤلف تجربته فيها، تتداخل المحطات دون التركيز على التتابع الزمني وهي كالتالي:  

طولكرم(المذاقات الأولى):

عبارة عن وصف تصويري مدهش لمكان النشأة بتفاصيل بسيطة من شأنها أن توثق علاقة القارئ بأركان المشهد كاملة ( كيف تحتال الذات على نفسها فاستدعي في داخل حلمها الجديد ذاكرة الأحلام السابقة الشبيهة لتموّه على الحلم الجاري وتقنع نفسها بأنه الواقع الشاخص أخيراً وأنه تأويل الأحلام القديمة قد جعلها ربي حقاً)
عن الجذور:
عن العائلة القريبة وخلفيات كلٍ من شخصياتها ذات العلاقة المباشرة بتكوين المؤلف وعن الطابع الأُسَري الذي تشكلت داخله شخصية المؤلف. يفتخر الكاتب بالميراث الأخلاقي لعائلته ويدين لهم بالكثير فجدته (سنديانه مورفه تلتف حولها الأسرة وتسند ظهورها إليها وتستظل بظلها) ومنهم استقى بعض شخصيات أعماله الدرامية كالتغريبة الفلسطينية.
أيام الجامعة(وقت للعلم ووقت للحب):
بالنسبة لي اعتقد أن المؤلف كتب هذا الجزء متحرراً من عدة قيود وأسهب في الحديث عن علاقات الشد والجذب في تجاربه العاطفية الأولى بالتوازي مع حديثه عن سنواته الدراسية الجامعية وبقدر ماوصف تجاربه في الحب بقدر ماكتب عن الحب ذاته وأعلى من قيمته( الحب يجدك ولاتجده يختارك ولاتختاره ولاتميزه حتى يقع لك)
حزيران(هزائم الوعي بعد الهزيمة):
لم تكن الهزيمة آنذاك لتمر دون أن تلقي بظلالها على كل من عاصرها فكيف بالمعني المباشر بها كالفرد الفلسطيني، يحكي المؤلف عن توجهه آنذاك لمشروع شهادة خائب على حد وصفه وكيف استطاع الخروج من تأثير هذه التجربة كما يصف تلك الحقبة التي تلت الهزيمة( بأنها أقسى الأوقات التي مر بها جيلنا وعلى قدر الأوهام المتفائلة كانت الصدمة المروعة) كما يتحدث عن تأثير ذلك على شاعريته( هيجت الاحزان شاعريتي كما لم تكن من قبل)(حتى اجتمعت لدي مجموعة كبيرة من القصائد التي جبت ماقبلها من القصائد المكتوبة قبل الهزيمة)
زمن المقاومة والأيدولوجيا:
يتحدث عن التيارات والتنظيمات الطلابية وعن تجاربه الأولى في الانضمام للمعسكرات التدريبية وبداية التحاقه بالتنظيمات كحركة فتح وبدايات مظاهر المقاومة وعلى الرغم من مضي الفترة التي يتحدث عنها في تاريخ المقاومة وكونها جزء من الماضي إلا أنه ( من شأن التاريخ ألا يتمثل بواقعه الموضوعي مستقلاً عن الوعي الذاتي ونشاطه التأويلي المحكوم بالتحيزات الفكرية والسياسية والعقدية فيصبح روايات متدافعة في فضاء تحبكه علاقات القوة ولقد تتغير تلك التحيزات والعلاقات فتتغير معها الروايات بأثر رجعي ولقد أمرنا بأن لانكتم الشهادة وحسب الشاهد أن يتوخى النزاهة والصدق مااستطاع دون أن يُزعم أن روايته تنفرد عن سائر الروايات في مطابقة الواقع الموضوعي فترتد إلى ادعاءات احتكار الحقيقة ووصم الآخرين بالوعي الزائف) كما يتحدث عن مغامرته في سبيل الالتقاء بمحمود درويش وسميح قاسم.
رحلة التدين:
على الرغم من الخلفية الدينية لأسرة المؤلف وعلى حد قوله أنه لم يكن خالي من الإيمان إلا أنه يعتبر نفسه مر بمراحل عدة للوصول إلى التدين وكيف كافح للفصل بين الصورة النمطية للمثقف/الملحد وبين المتدين ومن قناعاته:( الحال أن مايبدو تحولاً مفاجئاً في الموقف من الدين إقبالاً أو إدباراً ربما كان نتاج رحلة نفسية طويلة متدرجة من التأزم والقلق والشكوك الأسئلة والمخاوف وهي تسترفد مصادر كثيرة متنوعة مختلطة ويصحبها صراعات نفسية ومغالطات ومدافعات)
المعيد:
تفوق المؤلف الدراسي كان من شأنه أن يقوده للوظيفة الأكاديمية مباشرة ألا أنه ناضل لاستحقاقها نظراً لعدة عوامل وكان ذلك بمثابة درس له بما أن ماحدث له اختبار يذكره بألا يأخذ شيئاً في الحياة باعتباره أمراً مسلماً به طالما تداخلت عدة عوامل وكان التفاوض والتدافع بينها من سنن الحياة.
السفر إلى حاضر الغير وماضي الذات:
عن تجربته في العيش في لندن أبان فترة دراساته العليا ويذكر أن الصدمة الحضارية بالنسبة له كانت أقل وقعاً من الأجيال التي سبقته كما يتحدث عن صعوبات البداية من حيث اللغة والتأقلم وربما تتلخص تجربته بقوله( من طبع الإنسان إذا انتقل إلى ثقافة غير ثقافته لم ير في المرحلة الأولى من المواجهة إلا الفروق والاختلافات ولكنه إذا تعمق بعد ذلك في مجتمع الغربة بدأ يدرك المتشابه والمؤتلف )
كنّا ماسوف نكون (سيرة الانحطاط قضية شخصية):
هذا الجزء بمثابة دراسة مصغرة عن أسباب نهوض الغرب وتبعية العرب، يستدعي المؤلف عدة عوامل ليكون الحديث بعدئذٍ منصب على مفهوم القبيلة واختلافه ضمن سياق التاريخ العربي الإسلامي ويكاد يكون هذا الجزء مبحث تاريخي يتنقل فيه المؤلف بين عدة عصور ويورد عدة شواهد تدعم وجهة نظره.
حياة أكاديمية متقلبة:
بقدر ماكان المؤلف مقبل على العمل الأكاديمي وشغفه بالتعليم إلا أن رحلته العملية لم تكن سهله لصعوبة الفصل بين التوجهات الشخصيه والعمل البحت في جامعاتنا العربية وهو ماتكبد عناءه المؤلف وماتسبب في إبعاده لفترة مؤقته عن العمل بسبب أحكام مسبقة مما ساهم في تفرغه للكتابة وتجاربه للعمل في أماكن أخرى ثم رحلة العودة للعمل وتركه العمل اختياراً عن قناعة في نهاية المطاف ويعزو ذلك إلا أن الأجواء الأكاديمية تغيرت ولم تعد محفزة للعمل كالسابق ولم يلتفت وراءه ساعة المغادرة.
حياة مع الدراما :
كانت الكتابة الدرامية الملاذ حين ضاق المؤلف بعمله في الجامعة وعلى الرغم من تعدد تجاربه قبل أن يترك العمل إلا أنه يقول: ( أعتقتني الدراما من قيد الوظيفة ومايمكن أن يلابسها من قهر الرجال) (وبذلك يصح القول إن الكتابة تكتب كاتبها فلقد تشيده بقدر مايشيدها وتفتح له من سبل الحياة بقدر ماسلك من طرقها وبلغ من آفاقها) وعلى قدر اهتمامه باللغة في أعماله يهتم كذلك بالتركيب الكلي للشخصية التاريخية دون التركيز فقط على منجزاتها كما يقرّ بحضوره أحياناً في شخصيات أعماله ( لم يخل عمل من أعمالي الدرامية من مواقف وجدت نفسي أتماهى معها وأستحضر فيها شيئاً من مزاجي وتجاربي الداخلية).
لماذا هجرت الشعر:
عُرف المؤلف أولاً لكونه شاعر صدرت له دواوين وهو لم يزل طالب جامعي كما شارك في العديد من الأمسيات والملتقيات الشعرية إلا أنه انصرف عن ذلك إلى كتابة الدراما وهو يذكر السبب( الكتابة الشعرية طاقة ذهنية ووجدانية فإذا مال المبدع إلى إفراغ طاقته تلك في أشكال أخرى من الإبداع الفكري أو الأدبي بسبب ما لم يبق له الكثير مما ينفقه في الشعر) كما يبدد الصورة الوهمية عن الشعر في كونه مجرد إلهام فقط( الشعر يكره القسمة والشراكة والضرائر ويلح أن يبقى في مركز الأنا ولايبلغ به الشاعر مداه إلا أن يتخذه حرفة يتفرغ لها بكدّه الذهني والوجداني).

ملاحظات:
– التقييم ٤من ٥.
– على الرغم من متابعتي لأغلب الأعمال الدرامية التي كتبها المؤلف إلا أن حديثه عنها في قسم حياة مع الدراما عن تركيب الشخصيات مغري بتجديد المتابعة والربط بين المقروء والمُشاهد.
– وأنا اقترب من النهاية كنت اتساءل لماذا لم يتحدث المؤلف عن أسرته الصغيرة(زوجته وأبناءه) إلا عرضاً وهو الذي لم يترك محطة في حياته إلا تكلم عنها لتأتي الإجابة في الخاتمة حيث أوضح أن ذلك بطلب من زوجته لحماية حيزها الشخصي.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف حياةُ أخرى. الوسوم: , , , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *