وطن من زجاج

amis-3-21

رواية: وطن من زجاج
تأليف: ياسمينة صالح
دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون٢٠٠٦
عدد الصفحات : ١٧٥
اعتدت أن اضع قائمة بالكتب التي ارغب في اقتنائها بين الفينة والأخرى، تبدلت العناوين ووحدها رواية وطن من زجاج بقيت لصعوبة الوصول لها رغم عمليات التنقيب المستمرة عنها في معارض الكتب والمكتبات المحلية إلى حين الحصول عليها مؤخراً من أحد المتاجر الالكترنية.
بداية تعرفي على هذه الرواية من خلال مقال كتبته عنها الاستاذة داليا الهواري، وامتدحت فيه الرواية وأسلوب المؤلفة، مما دفعني إلى اقتناء إصدار آخر لها أثناء رحلة البحث في سبيل التعرف على إصداراتها وبمجرد ماأنهيت قراءة الرواية بادرت بالقول أنها كانت ولاشك تستحق رحلة البحث التي استغرقت ٧ سنوات.
تهدي ياسمينة صالح روايتها إلى ( الوطن الذي نحبه برغم كل شيء ونعيش فيه برغم كل شيء) وتدور الأحداث في الجزائر لتنقل المشهد العام ليوميات المواطن العادي في ظل الهجمات الإرهابية التي شهدتها المنطقة، لكنه لم يكن وحده المعني بتلك التفاصيل . وهي لاتستطيع تحديد بداية الشرارة وتصورها قائلة ( “الأمن والسيادة الوطنية ودولة القانون والعدالة والحرية” تقال دائماً بصيغة الغائب وبعبارة”كنا بخير” أو “كنا لابأس بنا””كنا بخير” يقولها الجزائري في حواراته اليومية، عن عفوية مدهشة ومخيفة معاً “كنا بخير” فأسأل نفسي: متى كنا بخير حقاً؟ من يتذكر الخير الذي كنا فيه أو عليه؟ لاأحد، ولاحتى أولئك الذين يسوقون الخير في جمل يربطونها بالأمس).
أحداث الرواية تُروى على لسان البطل والذي كان بمثابة لاكامورا يسوق من حوله للموت وينجو وحده، وطفولته البائسة لم تكن لتمرّ دون أن تضع بصماتها عليه ولاسيما دور المعلم الذي مافتيء يذكّر الناس بكونهم أحرار وأن زمن الإقطاعيين قد ولّى في وجه الطغيان الذي كرَس الفقراء للعناية بالأرض حيث يقول بطل الرواية( كان جدي مدركاً أن الاعتناء بالأرض لن يحتاج لأكثر من أولئك الذين يعانون من الجوع بحيث لايجب أن تمنح للجائع فرصة للكلام، عليك أن تشغله بالعمل لينسى جوعه وعقله وليظل راضياً عنك!).أما الصحافة التي وجد نفسه منخرطاً فيها لم تقرّبه أكثر من الوطن فقط إنما اصبح شاهداً على تداعي الأحداث للأسوأ حيث لم يكن من الممكن في مهنة كهذه أن يبقى على الحياد، لاسيما وأن الأحداث طالت رفاقه.
تنقل الرواية صورة مقربة عن الأحداث الإرهابية والتصفيات الجسدية التي طالت الجانبين( التنظيمات المسلحة والشرطة) وكيف كان الكل يزعم الدفاع عن الوطن من منظوره، ويدّعي خيانة غيره ويرى أنه ملزم بأداء الواجب لتختلط حينها المفاهيم بين المجاهد والخائن والعميل ويكون الشك سيد الموقف.
اقتباسات:
– الوطن هو مانتنفسه ومانستشعره هو الأعشاب التي نمشي عليها والعصافير التي توقظنا في الصباح والمطر الذي يباغتنا عن غير موعد، والتحايا البسيطة التي لانستوعب قيمتها إلا متأخرين.
– لاتصدق الخونة يابني .. صدّق أولئك الذين أحبوا الوطن، هؤلاء الذين ماتوا قليلاً أو كثيراً.. صدّقهم حين يدافعون عنه دونما حاجة إلى تبرير شيء لأحد، ودون المطالبة بالمقابل من أحد!.
– أليست القصائد كالمدن، نحبها لأنها تكذب علينا لأنها تخدعنا وتشوّه أحلامنا بالشعر، وبالكلام المنمق والجاهز، للقصيدة طعم الذكريات أيضاً، لها جراح البدايات وعبث النهايات كما المدن تماماً حين تجرحنا عمداً وحين لانجد غيرها لنسميها حبيبة.
– كأن الوطن صار كذبة ياصاحبي الذين باعوا الوطن هم الذين يتكلمون عنه بحماس الذين بقوا من الشعب يموتون كلما تصادموا مع ماهية الوطن، حين لانجد شيئاً نقوله نصمت وحين نجد شيئاً نقوله نموت. 
– كثيراً ماتساءلت لماذا لايكتب الوطن مذكراته؟ ألأنه لايملك مايقوله؟ ألأنه يرفض ارتداء ذاكرة ليست له؟ للأوطان قدرة عجيبة على إقناعنا أنها تنتظر من يكتب لأجلها شيئاً ينصفها، ويقول شيئاً يعبر عن رأيها ولايخونها في عبارة مهما كانت صغيرة ربما لهذا السبب وجدتني ازداد قناعة أن الكتابة جزء من حلم حميم لايمكن بلوغه إلا بالموت. 
-ماالخبز إلا روح وجودك في قلبي، ماالحرية إلا صوتك حين يتكلم فجأة ليقول شيئاً لم أتوقعه تماماً.. وماالكرامة إلا لحظة أكون فيها معك دون أن أبرر ذلك لأحد.
– تمنيت أن أقول لك: لنمش قليلا تحت المطر المنهمر لاحاجة لنا لمعطف ولالحذاء شتوي سميك يمكنني المشي عارياً وشعبياً وفقيراً كما أنا، يمكنني الاستماع إلى لحظة يقولها المطر لأجلنا، دون أن يذكرني أحد أن واجب المطر يحتم علي الاختباء في حجر ما!
– ولو سألتني هل وقعت في الحب من قبل لقلت لك: ياسيدتي .. كل شيء يقتل الحب قبلك، كل شيء هلامي وغير حقيقي بعدك قبلك لم يكن للحب اسماً ولايداً ولاوجهاً كان هلامياً كغول الحكايات القديمة كما الوطن الذي حين تستيقظين فجأة تكتشفين أنه غادرك بعيداً كما الكلام الذي حين تقولينه تكتشفين تفاهته ولاجدواه قبلك لم يكن ثمة شيء اسمه الحب.
– حين نحضر عرساً نحمل ورداً وحين نزور مريضاً نحمل ورداً وحين نزور ميتاً نترك إكليلاً على قبره لافرق بين الناس الذين نزورهم كلهم يتشابهون من حيث فكرتنا أنه علينا أن نحمل شيئاً في يدنا كي لايصدمهم شكلنا ونحن ندخل إليهم فارغي الأيدي.
– قلبي الوحيد والمعزول عن العالم! قلبي الذي لم يفتح بابه للآخرين خارج النص الذي يكتبه لم يقل كلمة حب حقيقية خارج الحلم الذي عاشه في مقال على شرف الوطن الضائع قبلاً. ماالحب؟ أليس الحب هو ذاكرتنا المعطوبة؟ أليس اعتقادنا أننا استثنائيين في الوقت الذي نكون فيه تافهين حد الهباء؟ ماالحب؟ ماالحلم؟ ماالفرح؟ ماالوطن؟ كلها مصطلحات سهلة تصلح لحل كلمات متقاطعة على عجل قبل الوصول إلى محطة انتقالية
– أحبك من دون أن أبررها لك، من دون أن أخفي دموعي الحارة في الشعور بها نحوك أحبك هذه تعني الكثير تعني قارة أكتشفها لأجلك وأسميها باسمك أحبك تعني مساحة للبكاء بلاخجل أحبك تعني هذه الأرض الجاهزة للكلام، والمشي تحت المطر والجنون حين تكف الحقيقة عن أداء دورها الحتمي وتعني أن لي بقايا حقوق لديك وأنك برغم كل شيء وطني الآخر الذي ولدت لأعيشه برغم القتل والعتمة! أحبك تعني أحبك كيفما كانت خسائري التي سأجرها بانتظار رصاصة وعدني الجناة بها!
– ألم نتعلم من الوطن رثاء الموتى؟ أولئك الذين لم نرثهم أحياء، أولئك الذين انتظروا أن نقول لهم شيئاً جميلاً قبل أن يداهمهم الصمت الأبدي تمنوا أن نحبهم فعلاً دون أن نساوم على جلدهم هؤلاء الذين حين يموتون يصيرون استثنائيين في نظرنا.
– اكتشفت أن الرصاص أقوى من كل شيء وأن الحرب التي تنفجر لايمكن أن يهزمها قلم وأن القلم لن يحمي فقيراً يجره الإرهابيون من بيته لينحروه كالشاة دون أن يعرفوا اسمه حتى. 
– كنا نشترك في هذا الجدال الغريب عن ماهية الأشياء التي تحيطنا ماهية الحب والقضية والثورة والحق والعدالة والحرية ماالوطن خارج هذه الأضداد ياسيدتي؟ أجل ماالوطن سوى المآسي التي توحدنا فلم يكن ثمة وطن خارج المأساة استطاع أن يجمع بين الناس بينما الأفراح فهي توحد الذين يمسحون على فمهم بمنديل حريري بعد أكلة دسمة على شرف الشرفاء الأغبياء!.
– ياامرأة لاتحب إلا لتحزن هل كان علي أن آتيك جاهزاً كعاشق يكذب على الحب بالحب؟ هل كان علي أن أدخل إليك من الباب المشرّع بالخيال واللا حقيقة؟ أنا الذي جرته المدينة من قلبه إلى الفجيعه منذ بداياته الأولى ألم يكن لي حق الانتقام من الحب فيك؟.

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف حياةُ أخرى. الوسوم: , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *